عبد الرحمن السهيلي
57
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
أو ناطقاً بأن يشاء الله ، ومعناه : إلا ذاكراً شيئة الله ، كما قال ابن إسحاق ؛ لأن الشيئة مصدر ، وأن مع الفعل ، في تأويل المصدر ، وإعراب ذلك المصدر مفعول بالقول المضمر ، والعرب تحذف القول ، وتكتفي بالمقول ففي التنزيل : « فأما الذين اسْوَدَّتْ وجوهُهُم أكَفَرْتم » آل عمران أي : يقال لهم : أكفرتم ، فحذف القول ، وبقي الكلام المقول ، وكذلك قوله تعالى : « يَدْخُلُون عليهم من كُلّ باب سلامٌ عليكم » الرعد أي يقولون : سلام عليكم ، وهو كثير ، وكذلك إذاً قوله : « إلاَّ أنْ يَشَاءَ اللَّهُ » هي من كلام الناهي له سبحانه ، ثم أضمر القول ، وهو الذكر الذي قدمناه ، وبقي المقول ، وهو : أن يشاء الله ، وهذا القدر يكفي في هذا المقام ، وإن كان في الآية من البسط والتفتيش ما هو أكثر من هذا . ولبثوا في كهفهم : فصل : وقد فسر قوله تعالى : « ولبثوا في كَهْفِهِم » فقال : معناه أي : سيقولون ذلك ، وهو أحد التأويلات فيها . وعلى هذا القول قرأه ابن مسعود : وقالوا : لبثوا ، بزيادة قالوا . ثم قال ابن إسحاق : قل : ربي أعلم بما لبثوا ، وهو وهم من المؤلف أو غيره ، وإنما التلاوة : « قُلِ اللَّهُ أعلمُ بما لَبِثوا » وقد قيل : إنه إخبار من الله تعالى عن مقدار لبثهم ، ولكن لما علم استبعاد قريش وغيرهم من الكفار لهذا المقدار ، وعلم أن فيه تنازعاً بين الناس ، فمن ثم قال : « قل اللّه أعلم بما لبثوا » وقوله : « ثلاثمائة سِنين وازدادوا تسعاً » أي : إنها ثلاثمائة بحساب العجم ، وإن حسبت الأهلة ، فقد زاد العدد تسعاً ، لأن ثلاثمائة سنة بحساب الشمس تزيد تسع سنين بحساب القمر فإن قيل : فكيف قال ثلاثمائة سنين ، ولم يقل : سنة ، وهو قياس العدد في العربية ، لأن المائة تضاف إلى لفظ الواحد ، فالجواب أن سنين في الآية بدل مما قبله ، ليس على حد الإضافة ولا التمييز ، ولحكمة عظيمة عدل باللفظ عن الإضافة إلى البدل ، وذلك أنه لو قال : ثلاثمائة سنة ، لكان الكلام كأنه جواب لطائفة واحدة من الناس ، والناس فيهم طائفتان : طائفة عرفوا طول لبثهم ، ولم يعلموا كمية السنين ، فعرفهم أنها ثلاثمائة ، وطائفة لم يعرفوا طول لبثهم ، ولا شيئاً من خبرهم ، فلما قال : ثلاثمائة معرفاً للأولين بالكمية التي شكوا فيها ، مبيناً للآخرين أن هذه الثلاثمائة سنون ، وليست أياماً ولا شهوراً ، فانتظم البيان للطائفتين من ذكر العدد ، وجمع المعدود ، وتبين أنه بدل ؛ إذ البدل يراد به : تبيين ما قبله : ألا ترى أن اليهود قد كانوا عرفوا أن لأصحاب الكهف نبأً عجيباً ، ولم يكن العجب إلا من طول لبثهم غير أنهم لم يكونوا على يقين من أنها ثلاثمائة أو أقل ، فأخبر أن تلك السنين ثلاثمائة ، ثم لو وقف الكلام ههنا لقالت العرب ، ومن لم يسمع بخبرهم : ما هذه الثلاثمائة ؟ فقال كالمبين لهم : سنين ، وقد روي معنى هذا التفسير عن الضحاك ، ذكره النحاس . الفرق بين السنة والعام : فصل : وقال سنين ، ولم يقل أعواماً ، والسنة والعام ، وإن اتسعت العرب فيهما ، واستعملت كل واحد منهما مكان الآخر اتساعاً ، ولكن بينهما في حكم البلاغة والعلم بتنزيل الكلام فرقاً ، فخذه أولاً من الاشتقاق ، فإن السنة من سنا يسنو إذا دار حول البئر ، والدابة : هي السانية ، فكذلك السنة دورة من دورات الشمس ، وقد تسمى السنة : داراً ، ففي الخبر : إن بين آدم ونوح ألف دار ، أي : ألف سنة ،